إقتصاد

هل تمهد الشهادات مرتفعة العائد في مصر لـ "تعويم جديد"؟

خاص

شهادات جديدة بعائد مرتفع على الجنيه المصري

مع استحقاق شهادات الـ 25 بالمئة؜ و22.5 بالمئة؜ ببنكي الأهلي ومصر، وطرح البنكين المصريين شهادات جديدة أخيراً بعوائد مرتفعة، فإن ثمة تساؤلات حول مآلات تلك السيولة، وإلى أي مدى يُمكن أن تُنعش الأسواق؛ سواء لجهة قدرة الشهادات الجديدة على جذبها مرّة أخرى للقطاع المصرفي، ومدى تأثر الاستثمارات الأخرى بها.

وأعلن بنكا الأهلي المصري ومصر، وهما أكبر بنكين حكوميين في البلاد، الخميس، عن طرح شهادات ادخار بعائد سنوي يبلغ 23.5 بالمئة يصرف شهريا، ويصل إلى 27 بالمئة في حال صرفه سنويا، وذلك اعتبارا من  الجمعة.

جاء طرح الشهادات الجديدة، التي تبلغ مدتها عام واحد، بهدف استيعاب السيولة المالية الضخمة من السوق بالتزامن مع انتهاء آجال الشهادات التي تم طرحها خلال العام الماضي، والتي ناهزت حصيلة الاكتتاب فيها حوالي نصف تريليون جنيه مصري.

يأتي ذلك في ظل ترقب المصريين لخفض جديد في قيمة الجنيه، وقد اعتبر الكثيرون أن الشهادات البنكية مرتفعة العائد الجديدة ربما تكون مؤشرا على ذلك. وجميعها عوامل ربما تعكس بشكل أو بآخر اتجاهات البنك المركزي المصري بخصوص أسعار الفائدة في اجتماعه القادم.

احتواء السيولة

الخبيرة المصرفية، سهر الدماطي، قالت في تصريحات خاصة لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية” إن:

  • طرح بنكي الأهلي ومصر شهادات ادخار جديدة بفائدة تبلغ 23.5 بالمئة و 27 بالمئة سيكون سبيلًا لاحتواء 575 مليار جنيه قيمة وفوائد شهادة الـ 25 بالمئة المستحقة لملاكها، خصوصًا ممن يعتمدون على الدخل الشهري لهذه الشهادات.
  • هذه الشهادة ستعمل على احتواء السيولة من الأسواق، وبما يسهم في كبح معدل التضخم المرتفع نظرًا لخفضها للاستهلاك.

لكن الدماطي ترى أن طرح هذه الشهادات في هذا التوقيت لا يعد خطوة أولى في مشوار جديد لتحرير سعر الصرف وخفض قيمة العملة، وإنما الهدف منها سحب هذه السيولة من الأسواق لمواجهة التضخم الذي يعد من أبرز المشاكل الرئيسية التي تسعى مصر حاليًا إلى حلها.

وحول ما إذا كانت هذه الشهادات قادرة على سحب السيولة من قنوات استثمارية أخرى، تابعت الخبيرة المصرفية: هذه الشهادات ستواجه منافسة قوية من الأوعية الإدخارية والاستثمارية الأخرى، بما في ذلك العقارات والصناديق الاستثمارية والتي تستخدم أدوات استثمارية كثيرة ومتنوعة ومنها البورصة التي تعتبر أداة تحتاج إلى مستثمر ذو خبرة في التعامل معها، أيضًا أذون الخزانة (..) والتي تتميز بأن المستثمر يحصل على فائدته مقدمًا.. لكن من وجهة نظري أرى أن هذه الشهادات تقدم حاليًا عائداً غير مسبوق في السوق المصرية.

وعن سعر الفائدة، قالت الدماطي، في معرض حديثها مع موقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية” إنه من الصعب توقع سعر الفائدة في اجتماع البنك المركزي المصري المقبل، نظرًا لارتباطه بعدة عوامل مجتمعة وعلى رأسها معدل التضخم في نهاية يناير الجاري، هذا إذا ما أخذنا في الاعتبار الزيادات السعرية التي أقرتها الدولة منذ بداية العام فيما يتعلق بتذاكر المترو والكهرباء وأيضًا شركات الاتصالات.

وسلطت الخبيرة الاقتصادية الضوء على عامل رئيسي أيضًا وهو توقعات البنك المركزي المصري المستقبلية لنسبة التضخم في ظل قرب قرب حلول شهر رمضان والذي يرتبط عادة بارتفاع الأسعار، أما العنصر الثالث هو موقف الفيدرالي الأميركي وهل سيقوم فعليًا بخفض الفائدة 75 نقطة وفق التوقعات أم أنه سيثبت سعرها في ضوء المستجدات الجيوسياسية حاليًا.

مبادرة جيدة

وإلى ذلك، يقول الخبير المصرفي المصري، محمد عبدالعال، في تصريحات خاصة لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”:

  • إن طرح شهادتي إدخار بعائد عالٍ من قبل بنكي الأهلي ومصر، هي مبادرة جيدة من البنكين المملوكين للدولة؛ لاحتضان عملائهم باعتبار هؤلاء الذين استحقت ودائعهم اعتبارًا من يوم الجمعة 5 يناير، تبلغ أموالهم نحو 500 مليار جنيه ولا بُد من الحفاظ عليهم واحتوائهم داخل البنكين مرة أخرى، بإعادة تجديد الوعائيين السابقين وبأسعار فائدة أعلى من سابقيها.
  • يمكن استمرار العملاء في التجديد أو شراء الشهادات مرة أخرى.. ذلك أن فترة العام الماضي كانت فترة خصبة جدًا بالنسبة لثقافة ووعي المدخرين من القطاع العائلي ومرورهم بتجارب عديدة مع الاقتصاد المصري بعديد من الصدمات، ومن تبعاتها زيادة التضخم، ومن فوائدها الانتباه إلى الأوعية الادخارية فائقة التميز.
  • في الوقت نفسه كانت هناك استثمارات في العقارات والأراضي والذهب، والبورصة المصرية، وهنا يمكن للمدخرين التمييز الجيد وفقًا لشهيتهم الادخارية ودرجات معينة من المخاطر.
  • بعضهم سيتجه إلى الوديعة الجديدة وآخرين سيتجهون كليًا أو جزئيًا لاستثمارات وأصول أخرى.
  • كذلك من الوارد استقطاب شرائح جديدة من العملاء الذين لم يكن لهم حظ في الشهادات القديمة.

وعن أفضل القنوات الاستثمارية التي من الممكن أن تستفيد من تلك السيولة، قال الخبير المصرفي، إن ذلك يعتمد بشكل متفاوت على درجة قبول المخاطر  من جانب المستثمر؛ فمن يتجه للبورصة يقارن بين العائد والمخاطر، مضيفًا أن الذهب يحقق حاليًا أعلى عوائد وأعلى سعر، ومن الوارد أن يحقق مستويات منخفضة وفقًا لتقارير دولية، وهنا المستثمر سيقارن بين شهادة بعائد 27 بالمئة ومعدلات التضخم، وهناك سيكون العائد الحقيقي سلبياً.

وتابع: كذلك من بين أوجه تحديد الاتجاهات الاستثمارية المناسبة، المقارنة بين استثمارات يُدفع عليها ضرائب، أو استثمارات معفاة من الضرائب كالشهادات، ومن ضمن أوجه المقارنات أيضا سواء عقار أو ذهب يمكن تسييله بسهولة أو شهادة يتم حجزها لمدة 6 أشهر كاملة على الأقل.

وكان بنكا الأهلي المصري ومصر طرحا في مطلع العام الماضي، شهادة ادخار بعائد 25 بالمئة، هو الأكبر منذ 40 عاما، يصرف سنوياً أو 22.5 بالمئة يصرف شهرياً، ضمن خطط لسحب السيولة ومكافحة التضخم المتفاقم.

معدلات التضخم

وإلى ذلك، أكد الخبير الاقتصادي وأستاذ التمويل، الدكتور مدحت نافع، في تصريحات خاصة لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية” أن:

  • طبيعة المستثمر الذي تستهدفه البنوك بهذه الشهادات هو المستثمر الذي يفضل تجنب المخاطر، ويميل للضمان البنكي.
  • نسبة كبيرة من الأشخاص سيتجهون إلى هذه الشهادات الجديدة على الرغم من تآكل القيمة الحقيقة لهذه المدخرات بسبب التضخم، فضلًا عن أن الحصيلة المالية ستقل كما انخفضت حصيلة الشهادات السابقة.
  • كذلك فإن نسبة لا بأس بها ستقبل على تسييل مدخراتها للإنفاق على احتياجاتها اليومية والتزاماتهم نتيجة ارتفاع معدلات التضخم.
  • جانب أيضا قد يتسرب إلى اتجاهات أخرى كالذهب والدولار.. هؤلاء سيكونون الجزء الأقل؛ فهم الأكثر تفضيلا للأمان وعدم المخاطرة.

وبلغ سعر الدولار في السوق السوداء (الموازية) قرابة الـ 55 جنيهاً، ويقترب من أن يشكل نسبة 100 بالمئة من السعر الرسمي في البنوك، والذي يظل دون الـ 31 جنيهاً للدولار الواحد. فيما يترقب المصريون تخفيضاً محتملاً للجنيه (أو ما يطلق عليه تعويم الجنيه).

وأوضح أستاذ التمويل، أن زيادة نسبة الشهادات التي أعلنتها البنوك تدل على أن احتواء التضخم لن يكون في وقت قريب، فالسيولة لا يمكن لها أن تخرج بالأسواق وإلا تسبب مزيدًا من التضخم.

الاستثمار “الآمن”!

وعن الاستثمار الآمن بعد الشهادات، أكد نافع، أنه  لا يوجد استثمار آمن كليًا، فالعقار لا يمكن أن نستهدف به شرائح كبير، كما أن القدرة على تسييله صعبة جدًا، والذهب حالته أفضل من ناحية السيولة لكنه أخطر من حيث التقلبات، كما أن البورصة لديها مستثمريها الذين يدركون حجم المخاطرة بها، وبالتالي فإن الاختيارات الاستثمارية محدودة للغاية على اختلاف اتجاهات المستثمرين.

وتشير بيانات البنك المركزي المصري، إلى  تراجع معدل التضخم الأساسي الذي يستثني الوقود وبعض المواد الغذائية المتقبلة، إلى 35.9 بالمئة في نوفمبر من 38.1 بالمئة في أكتوبر تشرين الأول. وكان متوسط توقعات ستة من المحللين الذين تم استطلاع آرائهم يرجح تباطؤ المعدل إلى 37.2 بالمئة.

وكان الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر، قد ذكر أن التضخم السنوي لأسعار المستهلكين في المدن المصرية تراجع إلى 34.6 بالمئة في نوفمبر مقارنة مع 35.8 بالمئة في أكتوبر.

وظل التضخم السنوي يسجل صعودا لمدة عامين ليصل إلى مستوى قياسي بلغ 38 بالمئة في سبتمبر. والمعدل المسجل في نوفمبر هو الأدنى منذ مايو.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى