إقتصاد

انعدام ثقة المستثمرين.. أكبر مشكلات الاقتصاد الصيني

خاص

أزمة عقارات الصين أثرت على ثقة المستثمرين

يرى بعض الخبراء أن أكبر مشكلة تواجه الصين حالياً هي “انعدام الثقة” سواء من قبل المستثمرين الخارجيين أو المدخرين المحليين، مشيرين إلى أن الصين قادرة على مواجهة تحدياتها الاقتصادية بالمزيد من الشفافية الحكومية وبناء الثقة مع اللاعبين في السوق وكذلك المستثمرين الدوليين وما يتطلبه ذلك من الإصلاحات الهيكلية للقوانين الاقتصادية والمالية.

ويعاني ثاني أكبر اقتصاد في العالم من تحديات كبيرة أدت إلى تباطؤ وتيرة نمو، ويأتي في مقدمتها تقلبات سوق الأوراق المالية، وما أفرزته الجائحة من مشكلات في القطاع العقاري وضعف ثقة المستهلكين، وتراكم الديون لدى الحكومات المحلية.

وبلغ الناتج المحلي الإجمالي لعام 2023، 5.2 بالمئة، مسجلاً أقل معدل منذ العام 1990، باستثناء فترة تفشي جائحة كورونا.

وفيما اتخذت الحكومة الصينية جملة من الإجراءات لضبط الأسواق وإنعاشها، مثل ضخ السيولة من خلال خفض نسبة متطلبات الاحتياطي الإلزامي للبنوك والتصدي لعمليات بيع الأسهم على المكشوف وأخيراً تعيين مدير متشدد في رئاسة لجنة تنظيم الأوراق المالية وو تشينغ والملقب بـ”جزار الوسطاء”، يؤكد خبراء أن هذه الإجراءات لن تأتي أكلها دون سياسات إصلاحية هيكلية للقوانين تدعم ثقة المستثمرين.

ونقلت شبكة (CNBC) عن الرئيس التنفيذي لبنك ستاندرد تشارترد بيل وينترز قوله: “إن أكبر مشكلة تواجه الصين هي (انعدام الثقة) أي أن المستثمرين الخارجيين يفتقرون إلى الثقة في الصين وكذلك المدخرين المحليين، لكنني أعتقد أن الصين تمر بمرحلة انتقالية كبيرة من الاقتصاد القديم إلى الاقتصاد الجديد، وكل مجتمع يمر بتحول اقتصادي كبير يواجه حتماً مستوى ما من الاضطرابات والآلام المتزايدة، إنهم يحاولون إدارة هذا التحول دون تعطيل النظام المالي، وأعتقد أنهم سيتجاوزون في النهاية هذه المرحلة”.

أزمة الثقة ناجمة عن حالة عدم اليقين تجاه المستقبل

وفي حديثه لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية” يقول محلل أول لأسواق المال في مجموعة إكويتي، أحمد عزام: “واجهت ثقة المستثمرين حالة من عدم اليقين جراء الأرقام الاقتصادية الهشة في الصين بعد حالة التفاؤل برفع القيود عن عمليات إغلاق البلاد في أواخر عام 2022 جراء الجائحة، فالناس لا ينفقون والطلبات وصلت إلى ثلث ما كانت عليه قبل خمس سنوات”.

وأضاف أن اقتصاد الصين واجه سلسلة من الأزمات، كالأزمة العقارية التي نشأت نتيجة سنوات من الإفراط في البناء والإفراط في الاقتراض والتي تسير جنباً إلى جنب مع أزمة ارتفاع المديونية، كما يعاني الشباب من بطالة مرتفعة، ومع تدهور أسواق الأسهم، ظهرت أزمة الثقة، بحسب عزام، الذي أكد أن أزمة الثقة ناجمة عن حالة عدم اليقين تجاه المستقبل في ظل تراجع ملحوظ في مستقبل اقتصاد البلاد ونتيجة للمعطيات السلبية الحالية.

ويشير عزام إلى أن أزمة الثقة تعتبر لاعب أساسي في تحركات المستثمرون سواء في البلاد أو خارجها، فالمستثمرون الخارجيون عندما يفتقرون إلى الثقة يبتعدون عن الاستثمارات داخل الصين، وكذلك المستثمرين المحليين لا يلجؤون أبداً إلى الاستثمار في البلاد ما ينعكس على ضعف الطلب المحلي.

قطاع العقارات أكبر المتضررين من فقدان الثقة

قد يكون قطاع العقارات وفقدان الثقة فيه أكبر المتضررين، وبالتالي أكبر المؤثرين على الاقتصاد، حيث يمثل القطاع والصناعات المرتبطة به نحو 25 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، ذلك أن أزمتي “إيفرغراند” و”كونتري غاردن” تسببا في خلق دافع أساسي لعزوف الطلب على المساكن الجديد في المستقبل القريب.

وهذا ما قد يجعل نمو اقتصاد الصين في خطر الانزلاق تدريجيًا ما يوضح أن قطاع العقارات يعد أكبر مثال يتجلى فيه تدهور ثقة المستهلك والمستثمر الصيني، طبقاً لما قاله عزام.

ويضيف محلل أول لأسواق المال في مجموعة إكويتي: “قد يستمر الاقتصاد الصيني بإطلاق حزمات تحفيز في محاولة إعادة ثقة المستثمر والمستهلك، فالصين حتى الآن تستمر في تحفيز الاقتصاد بضخ الأموال في الاقتصاد وذلك قد يستمر في الفترة المقبلة، بل قد يصطحبه محاولات بتخفيض أسعار الفائدة في عام 2024، ولعل عام 2015 هو مثال لما فعلته الصين سابقاً وقد يحاول أن يقتفي أثره أيضاً. حيث وزعت بكين أموالاً نقدية على المستهلكين لاستبدال الأكواخ المتهالكة بشقق جديدة كجزء من خطة إعادة التطوير الحضري والتي أدت إلى طفرة بناء آخرى في المدن الصينية الأصغر. وذلك دعم سوق العقارات المتأرجح ورفع ثقة المستهلك حينها”.

ووفقا لتقرير صندوق النقد الدولي الصادر في ديسمبر 2023، من المتوقع أن ينخفض الطلب على المساكن الجديدة في الصين بنحو 50 بالمئة خلال العقد المقبل، وإن انخفاض الطلب على المساكن الجديدة سيجعل من الصعب استيعاب المخزون الفائض، ما يطيل فترة التكيف على المدى المتوسط ويؤثر على النمو”.

النمو سنخفض بدون إصلاحات هيكلية عميقة

في تصريحات سابقة، قالت كريستالينا غورغييفا، مديرة صندوق النقد الدولي: “يجب على الصين إظهار التصميم على تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية من أجل وقف التحديات الاقتصادية التي تواجهها، ناقشنا مع الصين القضايا الهيكلية طويلة المدى التي تحتاج البلاد إلى معالجتها، ويظهر تحليلنا أنه دون إصلاحات هيكلية عميقة، يمكن أن ينخفض النمو في الصين إلى أقل من 4 بالمئة وسيكون ذلك صعبا للغاية بالنسبة للبلاد”.

وتضيف غورغييفا: “نريد أن نرى الاقتصاد يتحرك بشكل أكبر نحو الاستهلاك المحلي، واعتماداً أقل على الصادرات، ولكن لتحقيق ذلك يحتاجون إلى ثقة المستهلك وإصلاح القطاع العقارات، ووضع نظام التقاعد، فضلا عن التحسينات طويلة الأجل في أساسيات الاقتصاد الصيني”.

التحديات الاقتصادية تتطلب الشفافية لبناء الثقة مع المستثمرين

من جهته، يقول الخبير الاقتصادي حسين القمزي في حديثه لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”: “الصين تواجه تحديات اقتصادية تتطلب الشفافية لبناء الثقة مع المستثمرين الخارجيين والمحليين وهذا يذكرنا بداية انتشار فيروس كورنا وطريقة تعامل الصين مع إشاعات بداية الجائحة، فالقطاع العقاري يقلق المستثمرين والمراقبين وهو يحتاج إصلاحات جذرية وكذلك نظام المعاشات التقاعدية ونظام التأمين الصحي، والصين بإمكانها القيام بذلك فالعائق ذهني أكثر منه فعلي، الأخبار الاقتصادية السلبية مع الشفافية ليست إلا فرص استثمارية لدخول السوق”.

ويضيف القمزي: “الصين بحاجة إلى نقلة نوعية نحو تعزيز الاستهلاك المحلي بدلاً من الاعتماد المفرط على الصادرات، كما يجب تبني استراتيجيات تشمل تعزيز الاستقرار القانوني والاستثمار في الابتكار والتكنولوجيا، وتحسين البنية التحتية الاجتماعية والاقتصادية، وتعزيز التواصل والتعاون مع المجتمع الدولي، فالتركيز على هذه الجوانب سيساعد الصين على مواجهة تحدياتها الاقتصادية بفعالية وبناء ثقة قوية مع المستثمرين المحليين والدوليين”.

أما بالنسبة للأسهم الصينية الكبرى فقد انخفضت بنسبة 11.4 بالمئة في 2023 في حين انخفض مؤشر هونغ كونغ بنحو 14 بالمئة.

وقال مازن سلهب كبير استراتيجي الأسواق في “BDSwiss MENA”: في تصريحات سابقة لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية: “من الواضح أن الصين تقف على مفترق مهم للغاية، هذا المفترق قائم على سؤال كبير جداً مفاده.. هل تريد الصين بناء رأسمالية على الطريقة الأميركية أو أنها تريد فعلاً العودة إلى قواعد تفرضها الحكومة الصينية بما فيها من إيجابيات أو / وسلبيات؟، إن قدرة الحكومة الصينية على إعادة الارتفاع للأسهم يلزمها قبل كل شي إعادة بناء الثقة مع اللاعبين في السوق وكذلك المستثمرين الدوليين وما يتطلبه ذلك من إعادة صياغة القوانين المالية وليس آخرها الثقة بأن قبضة الحزب الشيوعي الصيني لن تكون مجدداً بالانتظار كما فعلت قبل عدة أعوام مع جاك ما مؤسس شركة علي بابا العملاقة”.

 ويرى سلهب أن “ما تحتاجه الصين حالياً هو المزيد من الشفافية الحكومية المبينة على قوانين تداول متقدمة تدفع بملايين المستثمرين الأجانب للدخول مجدداً وخلق نوع من التنافس الداخلي – الخارجي بين المستثمرين أنفسهم وبين الشركات المحلية والأجنبية، ورفع مستوى الاستثمارات الأجنبية المباشرة”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى